لم تهدأ قضية المولدات الخاصة حتى عادت إلى الواجهة من باب أكثر إيلامًا بالنسبة إلى اللبنانيين: الفاتورة. فالارتفاع الكبير الذي سجلته الأسعار أعاد السؤال حول الأسباب الفعلية لهذه القفزة، وما إذا كانت ترتبط فقط بارتفاع سعر المازوت، أم أن المشكلة تتجاوز ذلك إلى بنية التسعيرة نفسها والأكلاف والأرباح التي تدخل في احتسابها.
وفي هذا الإطار، تشير مصادر مطلعة على آلية التسعير في وزارة الطاقة والمياه إلى أن المطلوب أولًا هو التزام أصحاب المولدات بالتسعيرة الرسمية، مؤكدة أنه "فليلتزموا بتسعيرة وزارة الطاقة، وعندها كل شيء يسير كما يجب".
وتوضح المصادر عبر "النشرة" أن الآلية المعتمدة اليوم ليست جديدة، بل إن "تسعيرة المولدات موجودة منذ ما قبل تولي جو الصدّي وزارة الطاقة، وتطبق اليوم وفق الآلية نفسها القائمة على عوامل ثابتة وأخرى متحركة".
وفي مقدمة العوامل المتحركة يأتي سعر المحروقات، إذ تشير المصادر إلى أن "التعرفة جُعلت متحركة لأن هناك ارتفاعًا وانخفاضًا في أسعار المحروقات عالميًا، والمازوت مادة يستوردها لبنان، وبالتالي يجب أن تلحق التسعيرة بسعر السوق".
وتعيد المصادر المشكلة في أساسها إلى واقع الكهرباء في لبنان، معتبرة أن أصحاب المولدات يشكلون "حالة شاذة"نشأت نتيجة تقصير الدولة على مدى عشرات السنوات وعدم بناء معامل قادرة على تأمين حاجة البلاد من الكهرباء.
لكن أرقام وزارة الطاقة نفسها تسمح بتشريح التسعيرة ومعرفة ما يدخل فعليًا في الكيلوواط الذي يدفع ثمنه المواطن.
فبحسب جدول تسعيرة شهر آب 2026، احتسبت الوزارة كلفة إنتاج وتوزيع الكيلوواط الواحد بـ43,856 ليرة، فيما بلغت كلفة المازوت وحده لإنتاج كيلوواط واحد 35,025 ليرة، أي ما يقارب 80 في المئة من كلفة الإنتاج والتوزيع.
وتدخل في المعادلة أيضًا كلفة الزيت والفلاتر البالغة 1,973 ليرة للكيلوواط، واهتلاك المولد بقيمة 2,511 ليرة، إضافة إلى مصاريف تقنية وغير تقنية بقيمة 4,346 ليرة.
وبعد احتساب هذه الأكلاف، تضيف الوزارة إلى كلفة إنتاج وتوزيع الكيلوواط هامش ربح بنسبة 10 في المئة، فترتفع التعرفة من 43,856 ليرة إلى 48,241 ليرة لكل كيلوواط/ساعة في المدن والتجمعات والمناطق على ارتفاع أقل من 700 متر، فيما تصل إلى 53,065 ليرة في القرى والمناطق المتباعدة على ارتفاع أكثر من 700 متر.
واعتمدت الوزارة في تسعيرة آب متوسط سعر لصفيحة المازوت سعة 20 ليتر بلغ 2,415,495 ليرة، ومتوسطًا لسعر صرف الدولار بلغ 89,700 ليرة.
كما حددت المقطوعية الشهرية بـ385 ألف ليرة لاشتراك 5 أمبير و685 ألف ليرة لاشتراك 10 أمبير، مع إضافة 300 ألف ليرة على الشطر الثابت لكل خمسة أمبير إضافية.
وتشير وزارة الطاقة في بيانها إلى أن التعرفة وضعت بعد احتساب مختلف المصاريف وأكلاف المولدات، بالإضافة إلى ما وصفته بـ"هامش ربح جيد لأصحابها".
إلا أن رئيس تجمع مالكي المولدات الخاصة عبدو سعادة يقدم عبر "النشرة" قراءة مختلفة للواقع، إذ يؤكد أن ارتفاع الفاتورة مرتبط بصورة أساسية بسعر المازوت وسعر صرف الدولار، مشيرًا إلى أن الدولار مستقر حاليًا، وبالتالي فإن العنصر الذي يدفع التسعيرة إلى الارتفاع هو سعر المازوت، الذي لا يتحكم به أصحاب المولدات.
ويشير سعادة الى إن سعر طن المازوت كان الشهر الماضي في حدود 1100 دولار وارتفع إلى نحو 1300 دولار، معتبرًا أن هذا الفارق انعكس مباشرة على فاتورة الكهرباء.
ويشدد على أن أصحاب المولدات لا يستفيدون من ارتفاع سعر المازوت أو انخفاضه، لأن وزارة الطاقة هي التي تحدد التسعيرة وتحتسب لهم هامشًا معينًا، وبالتالي فإن ارتفاع المحروقات يرفع قيمة الفاتورة من دون أن يعني، بحسب قوله، ارتفاع أرباح أصحاب المولدات.
ويذهب سعادة أبعد من ذلك، مؤكدًا أن أصحاب المولدات لا يحققون أرباحًا، إلا أنه رفض الدخول في تشريح تفصيلي للأرقام والأكلاف.
وهنا تبرز مفارقة واضحة بين ما تقوله المعادلة الرسمية وما يقوله أصحاب المولدات: فوزارة الطاقة تحتسب في جدولها هامش ربح بنسبة 10 في المئة، فيما يؤكد سعادة أن أصحاب المولدات لا يربحون فعليًا.
لكن أرقام الوزارة تدعم في الوقت نفسه جانبًا أساسيًا من كلام أصحاب المولدات حول تأثير سعر المحروقات، إذ إن المازوت يشكل، وفق الحسابات الرسمية، نحو 80 في المئة من كلفة إنتاج وتوزيع الكيلوواط قبل إضافة الربح، ما يجعل أي ارتفاع في سعره ينعكس مباشرة وبنسبة كبيرة على التعرفة.
في المقابل، لا تترك الوزارة الباب مفتوحًا أمام إضافة رسوم أخرى إلى الفاتورة، إذ تؤكد عدم جواز فرض مبالغ إضافية تحت ذريعة صيانة المولد أو الشبكات أو غيرها، كما تمنع فرض رسوم إضافية على المواطنين الذين يستخدمون أنظمة الطاقة الشمسية إلى جانب اشتراكهم بالمولد. أما ضريبة القيمة المضافة، فلا يجوز تقاضيها إلا في حال وجود تسجيل قانوني يجيز ذلك.
وهنا ينتقل النقاش من سؤال سبب ارتفاع التسعيرة الرسمية إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ما يدفعه المواطن في نهاية كل شهر يطابق فعلًا ما حددته وزارة الطاقة؟
وفي مقابل الواقع القائم، يكشف سعادة أن أصحاب المولدات سبق أن قدموا إلى الدولة اقتراحًا يقوم على شراكة بين الفريقين، وجرى البحث فيه مع وزير الاقتصاد ومسؤولين رسميين، بهدف الوصول إلى تأمين الكهرباء على مدار الساعة مقابل فاتورة واحدة بدل فاتورتين.
ولفت إلى أن أصحاب المولدات اقترحوا الاستفادة من قدرتهم على الجباية، التي يقول إنها تصل إلى نحو 95 في المئة، في مقابل حصولهم على المازوت من دون إضافة أرباح عليه، معتبرًا أن تطبيق هذه الخطة قادر على خفض فاتورة الكهرباء على المواطن بنحو 40 في المئة.
إلا أن سعادة يؤكد أن هذا الاقتراح لم يؤدِّ حتى الآن إلى أي نتيجة.
وبذلك لا تعود القضية مجرد خلاف حول سعر كيلوواط أو ارتفاع طن المازوت. فالدولة نفسها تعتبر أن المولدات الخاصة حالة استثنائية نشأت بسبب عجزها طوال عقود عن تأمين الكهرباء، فيما يقول أصحاب المولدات إنهم باتوا يؤدون عمليًا وظيفة كان يفترض أن تقوم بها الدولة، وإنهم لا يحققون الأرباح التي قد توحي بها الفواتير المرتفعة.
أما اللبناني فيقف في المنتصف، يدفع فاتورة لكهرباء الدولة وأخرى للمولد الخاص، فيما ترتفع كلفة الطاقة مع كل ارتفاع في سعر المحروقات.
وزارة الطاقة تقول إن معادلتها تحتسب الأكلاف وتمنح أصحاب المولدات هامش الربح بنسبة ذكرناها. أصحاب المولدات يقولون إنهم، رغم ذلك، لا يربحون. والمازوت، بحسب أرقام الوزارة نفسها، يبتلع نحو 80 في المئة من كلفة إنتاج وتوزيع الكيلوواط.
وبين هذه الأرقام والروايات، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى المواطن أبسط بكثير: إذا كانت الدولة تحدد الكلفة والتعرفة وهامش الربح، فمن يضمن أن كل ليرة تظهر على فاتورة المولد مبررة فعلًا؟























































